ابن الجوزي
223
صيد الخاطر
الحاكم وهو يعلم أن أجمع المسانيد الظاهرة مسند أحمد بن حنبل ، وقد طاف الدنيا مرتين حتى حصله وهو أربعون ألف حديث ، منها عشرة آلاف مكررة ، قال حنبل بن إسحاق : جمعنا أحمد بن حنبل أنا وصالح وعبد اللّه وقرأ علينا المسند ، وقال لنا : هذا كتاب جمعته من أكثر من سبعمائة ألف وخمسين ألفا . فما اختلف المسلمون فيه من حديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فارجعوا اليه ، فان وجدتموه والا فليس بحجة . أفترى يخفى على متيقظ أنه أراد بكونه جمعه من سبعمائة الف أنه أراد الطرق . لأن السبعمائة الألف ان كانت من كلام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فكيف أهملها ؟ فان قيل فقد أخرج في مسنده أشياء ضعيفة . ثم أعوذ باللّه أن يكون سبعمائة الف ما تحقق منها سوى ثلاثين ألفا وكيف ضاعت هذه الجملة ؟ ولم أهملت وقد وصلت كلها إلى زمن أحمد فانتقى منها ورمى الباقي ؟ وأصحاب الحديث قد كتبوا كل شيء من الموضوع والكذب . وكذلك قال أبو داود : جمعت كتاب السنن من ستمائة ألف حديث . ولا يحسن أن يقال أن الصحابة الذين رووها ماتوا ولم يحدثوا بها التابعين ؛ فان الامر قد وصل إلى أحمد فأحصى سبعمائة الف حديث ، وما كان الأمر ليذهب هكذا عاجلا ، ومعلوم أنه لو جمع الصحيح والمحال الموضوع وكل منقول عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ما بلغ خمسين ألفا ، فأين الباقي ؟ ولا يجوز أن يقال تلك الأحاديث كلام التابعين ، فان الفقهاء نقلوا مذاهب القوم ودوّنوها وأخذوا بها ، ولا وجه لتركها ، ففهم كل ذي لب أن الإشارة إلى الطرق ، وان ما توهمه الحاكم فاسد ، ولو عرض هذا الاعتراض عليه ، وقيل له : فأين الباقي ؟ لم يكن له جواب . لكن الفهم عزيز . واللّه المنعم بالتوفيق . ومثل هذا تغفيل قوم قالوا : إن البخاري لم يخرج كل ما صح عنده ، وان ما أخرج كالأنموذج ، والا فكان يطول . وقد ذهب إلى نحو هذا أبو بكر الإسماعيلي وحكى عن البخاري أنه قال : ما تركت من الصحيح أكثر ، وإنما يعني الطرق ، يدل على ما قلته أن الدارقطني وهو سيد الحفاظ جمع ما يلزم البخاري ومسلما إخراجه « 1 » فبلغ ما لم يذكراه أحاديث يسيرة ، ولو كان كما قالوا لأخرج مجلدات ،
--> ( 1 ) أي ما وجده من الأحاديث على شرطهما . راجع رسالة « شروط الأئمة الخمسة » طبع حسام الدين القدسي . وانظر كتاب ( مجمع الزوائد ) .